تظل قصة خروج بني إسرائيل من مصر، وشخصية فرعون، الذي واجه موسى عليه السلام، واحدة من أبرز الأحداث الدينية والتاريخية غموضا، وفى كتابه "موسى عليه السلام وخروج بني إسرائيل من مصر"، يقدم د.ممدوح الدماطي، عالم المصريات، تحليلاً للنصوص الدينية والبيانات التاريخية والأثرية، ويخرج منها بنتائج ترجيحية تشير بشكل كبير إلى أن فرعون موسى هو رمسيس الثاني، الحاكم الذي حكم مصر 66 عامًا، مقدمًا رؤية متكاملة لرحلة موسى وظروف الخروج والمعجزة الإلهية.
فى بداية الكتاب الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، يستعرض "الدماطي" قصة دخول بني إسرائيل إلى مصر كما وردت في الروايتين القرآنية والتوراتية، وما يتقاطع معهما من معطيات تاريخ مصر القديم. ويشير إلى دخول النبي يوسف عليه السلام مصر بعد أن بيع عبدًا، وبعد سنوات، لحق به النبي يعقوب عليه السلام وأبناؤه. مرجحًا أن يكون ذلك خلال عهد الهكسوس، وهو الرأي الذي يرى بعض المؤرخين أنه الأنسب تاريخيًا، في ظل غياب دليل أثري مباشر يحدد الفترة بدقة.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى قصة موسى عليه السلام منذ مولده وحتى نزول الوحي عليه، موضحًا دوافع فرعون في إصدار أمر قتل المواليد الذكور من بني إسرائيل، والمتمثلة في تزايد أعدادهم، والخوف من احتمال تعاونهم مع أعدائه، فضلًا عن هاجس زوال ملكه. ويسرد تفاصيل مولد موسى، ووصوله إلى قصر فرعون، وتعلّق زوجة فرعون به.
ثم يبدأ المؤلف في تحليل لفظ "فرعون"، في محاولة لتحديد شخصية هذا الحاكم، ومن يمكن أن تكون زوجته. ويتتبع ظهور لقب "فرعون" عبر مراحل التاريخ المصري القديم، ليصل إلى نتيجة مفادها أن "فرعون" لقب يعني "الملك" في مصر القديمة، على غرار "قيصر" في روما و"كسرى" في فارس.
ثم يطرح المؤلف بعد ذلك السؤال المحوري: من هو فرعون موسى؟
وفى طريقه للوصول إلى الإجابة، يستند المؤلف إلى النصوص القرآنية التي تفيد بأن "موسى"عاصر فرعونًا واحدًا طوال مراحل حياته، ما يعني أنه واجه الحاكم نفسه منذ طفولته وحتى رسالته وخروج بني إسرائيل. ويقدم أدلة قرآنية تدعم هذا الطرح. وعدم دقة ما تشير إليه التوراة إلى وجود فرعونين: أحدهما في طفولة موسى، والآخر عند عودته إلى مصر وبداية الخروج. ويرى عدم منطقية هذا التصور، مستندًا إلى عاملين رئيسيين: أولهما استمرارية الطغيان بالنهج ذاته، إذ تؤكد الروايتان استمرار الظلم والقهر دون تغير في السياسة أو الأسلوب. وثانيهما المدة الزمنية، التي يرى أنها — وفق المعطيات المتاحة — تدعم فكرة أن موسى تعامل مع شخصية حاكمة واحدة طوال مسيرته.
وبناءً على ذلك، يخلص المؤلف إلى ترجيح أن فرعون موسى كان حاكمًا واحدًا مستبدًا.
انطلاقا من هذا، يبدأ المؤلف في استعراض أسماء الملوك الذين عُرفوا بطول مدة حكمهم في التاريخ المصري القديم، ولا سيما في عصر الدولة الحديثة. ويبرز من بينهم تحتمس الثالث، الذي حكم مصر قرابة 54 عامًا، ورمسيس الثاني، الذي امتد حكمه نحو 66 عامًا. وبعد تحليل مجريات الأحداث في هذه الحقبة، يرجّح المؤلف أن الملك رمسيس الثاني هو الشخصية التي ينطبق عليها وصف "فرعون موسى" وفقا لما جاء فى القرآن والسرد التاريخي، مستندًا إلى عامل طول مدة الحكم، وعدد من السمات والملامح التي يرى أنها تتوافق مع صورة فرعون كما عرضتها النصوص.
ويتتبع المؤلف هذا التسلسل الزمني في ضوء المقارنات التاريخية والنصوص الدينية، ليصل إلى نتيجة يراها الأكثر اتساقًا مع المعطيات المطروحة، وهى ان: طول حكم رمسيس الثاني ومشروعاته العمرانية الكبرى يدعمان فرضية كونه فرعون موسى، في ظل توافق الروايتين القرآنية والتوراتية — بحسب طرحه — مع زمن حكمه وأحداث شرق الدلتا.
وتحت عنوان "الخروج العظيم: من شق البحر إلى التيه"، يتناول الكتاب مرحلة دعوة موسى لفرعون وقومه إلى الإيمان وترك الطغيان، وقصة خروجه ومن آمن معه سرًّا من مصر بأمر إلهي بعد تمادي فرعون في التعذيب، ووصفه بأنهم «شرذمة قليلون». ويحدّد "موسى" مسار الخروج وتاريخه، حيث كان السير ليلًا سترًا من الملاحقة، مع سرعة تحرك فرعون، الذي لحق بهم بعد ليلة واحدة، ما اضطر موسى — بوحي إلهي — إلى تغيير المسار وضرب البحر بعصاه فانشق طريقًا يابسًا، فعبر بنو إسرائيل وغرق فرعون وجيشه، ويشير إلى أن قلة عدد الخارجين تعزز دلالة المعجزة، رابطًا إياه بزمن عيد الفصح.
ويقدّم المؤلف تحليلًا علميًّا لمسار الرحلة بالحسابات الزمنية والمكانية وسرعة الخيل، مرجحًا أن تغيير الاتجاه كان نتيجة اقتراب جيش فرعون. ثم يتناول وصول بني إسرائيل إلى منطقة عيون موسى قرب خليج السويس، حيث تركهم موسى متجهًا للقاء ربه في الوادي المقدس لتلقي الوصايا، وما تبع ذلك من أحداث عبادة العجل، مستدلًا جغرافيًا وزمنيًا على ملاءمة الموقع، ويتابع خط السير نحو جبل موسى، ووادي الأربعين، ثم مرحلة التيه عقوبةً لبني إسرائيل، محددًا نطاقها الجغرافي قرب منطقة الوادي المقدس، وصولًا إلى تخوم أرض كنعان.
فى ختام هذا الفصل يؤكد المؤلف أن مدينة "بر-رعمسيس"، عاصمة رمسيس الثاني، كانت مركز الإدارة والسياسة والجيش، ومحور التجارة والعلاقات مع بلاد الشام وآسيا، بمبانيها ومعابدها وقصورها الفخمة ونظامها المائي المتطور، قبل أن تتحول إلى أطلال تروي زوال إمبراطورية بلغت ذروة القوة ثم انطفأت.
وفي نهاية الكتاب، يقدم المؤلف ملحقًا للصور والخرائط، يوضح أهم أحداث الكتاب المختلفة ويضفي مزيدًا من المصداقية على المعلومات والبيانات التي قدمها، مما يعزز فهم القارئ ويسند التحليلات التاريخية والدينية المطروحة.
اقرأ أيضا: حروب الإبادة فى «زمن القلق»
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







